عبد الرحمن بن ناصر السعدي
497
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
وهم المخلصون المتبعون لمراضي ربهم ، المنيبون إليه ، ذكر من أتى بعدهم ، وبدلوا ما أمروا به ، وأنه خلف من بعدهم خلف ، رجعوا إلى الخلف والوراء ، فأضاعوا الصلاة ، التي أمروا بالمحافظة عليها وإقامتها ، فتهاونوا بها وضيعوها ، وإذا ضيعوا الصلاة التي هي عماد الدين ، وميزان الإيمان والإخلاص لرب العالمين ، التي هي آكد الأعمال ، وأفضل الخصال ، كانوا لما سواها من دينهم ، أضيع ، وله أرفض . والسبب الداعي لذلك ، أنهم اتبعوا شهوات أنفسهم وإرادتها فصارت هممهم منصرفة إليها ، مقدمة لها على حقوق الله . فنشأ من ذلك ، التضييع ، لحقوقه ، والإقبال على شهوات أنفسهم ، مهما لاحت لهم ، حصلوها ، وعلى أي وجه اتفقت ، تناولوها . * ( فسوف يلقون غيا ) * أي : عذابا مضاعفا شديدا . ثم استثنى تعالى فقال : * ( إلا من تاب ) * عن الشرك والبدع والمعاصي ، فأقلع عنها وندم عليها ، وعزم عزما جازما أن لا يعاودها . * ( وآمن ) * بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . * ( وعمل صالحا ) * وهو العمل الذي شرعه الله على ألسنة رسله ، إذا قصد به وجهه . * ( فأولئك ) * الذين جمعوا بين التوبة والإيمان ، والعمل الصالح . * ( يدخلون الجنة ) * المشتملة على النعيم المقيم ، والعيش السليم ، وجوار الرب الكريم . * ( ولا يظلمون شيئا ) * من أعمالهم ، بل يجدونها كاملة موفرة أجورها ، مضاعفا عددها . ثم ذكر أن الجنة التي وعدهم بدخولها ، ليست كسائر الجنات ، وإنما هي * ( جنات عدن ) * أي : جنات إقامة ، لا ظعن فيها ، ولا حول ولا زوال ، وذلك لسعتها ، وكثرة ما فيها من الخيرات والسرور ، والبهجة والحبور . * ( التي وعد الرحمن عباده بالغيب ) * أي : التي وعدها الرحمن ، أضافها إلى اسمه * ( الرحمن ) * لأنها فيها من الرحمة والإحسان ، ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . وسماها تعالى رحمته فقال : * ( وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) * وأيضا ففي إضافتها إلى رحمته ، ما يدل على استمرار سرورها ، وأنها باقية ، ببقاء رحمته التي هي أثرها وموجبها . و ( العباد ) في هذه الآية المراد ، عباد إلهيته ، الذين عبدوه ، والتزموا شرائعه ، فصارت العبودية وصفا لهم كقوله : * ( وعباد الرحمن ) * ونحوه ، بخلاف عباده المماليك فقط ، الذين لم يعبدوه ، فهؤلاء وإن كانوا عبيدا لربوبيته ، لأنه خلقهم ورزقهم ، ودبرهم ، فليسوا داخلين في عبيد إلهيته ، العبودية الاختيارية ، التي يمدح صاحبها ، وإنما عبوديتهم ، عبودية اضطرار ، لا مدح لهم فيها . وقوله : * ( بالغيب ) * يحتمل أن تكون متعلقة ب * ( وعد الرحمن ) * فيكون المعنى على هذا ، أن الله وعدهم إياها ، وعدا غائبا ، لم يشاهدوه ولم يروه ، فآمنوا بها ، وصدقوا غيبها وسعوا لها سعيها ، مع أنهم لم يروها ، فكيف لو رأوها ، لكانوا أشد لها طلبا ، وأعظم فيها رغبة ، وأكثر لها سعيا ، ويكون في هذا ، مدح لهم بإيمانهم بالغيب ، الذي هو الإيمان النافع . ويحتمل أن تكون متعلقة بعباده ، أي : الذين عبدوه في حال غيبهم وعدم رؤيتهم إياه . فهذه عبادتهم ولم يروه ، فلو رأوه ، لكانوا أشد له عبادة ، وأعظم إنابة ، وأكثر حبا ، وأجل شوقا ، ويحتمل أيضا ، أن المعنى : هذه الجنات التي وعدها الرحمن عباده ، من الأمور التي لا تدركها الأوصاف ، ولا يعلمها أحد إلا الله ، ففيه من التشويق لها ، والوصف المجمل ، ما يهيج النفوس ، ويزعج الساكن إلى طلبها ، فيكون هذا مثل قوله : * ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) * والمعاني كلها صحيحة ثابتة ، ولكن الاحتمال الأول ، أولى بدليل قوله : * ( إنه كان وعده مأتيا ) * لا بد من وقوعه ، فإنه لا يخلف الميعاد ، وهو أصدق القائلين . * ( لا يسمعون فيها لغوا ) * أي : كلاما لاغيا ، لا فائدة فيه ، ولا ما يؤثم . فلا يسمعون فيها شتما ، ولا عيبا ، ولا قولا فيه معصية لله ، أو قولا مكدرا . * ( إلا سلاما ) * أي : الأقوال السالمة من كل عيب ، من ذكر لله ، وتحية ، وكلام سرور ، وبشارة ، ومطارحة الأحاديث الحسنة بين الإخوان وسماع خطاب الرحمن ، والأصوات الشجية ، من الحور ، والملائكة ، والولدان ، والنغمات المطربة ، والألفاظ الرخيمة ، لأن الدار ، دار السلام ، فليس فيها إلا السلام التام في جميع الوجوه . * ( ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ) * أي : أرزاقهم من المآكل والمشارب ، وأنواع اللذات ، مستمرة حيثما طلبوا ، وفي أي وقت رغبوا ، ومن تمامها ، ولذتها ، وحسنها ، أن تكون في أوقات معلومة . * ( بكرة وعشيا ) * ليعظم وقعها ويتم نفعها ، فتلك الجنة التي وصفناها بما ذكر * ( التي نورث من عبادنا من كان تقيا ) * أي : نورثها المتقين ، ونجعلها منزلهم الدائم ، الذي لا يظعنون عنه ، ولا يبغون عنها حولا كما قال تعالى : * ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) * . * ( وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا ) * استبطأ النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام مرة في نزوله إليه فقال له : ( لو تأتينا أكثر مما تأتينا ) ، شوقا إليه ، وتوحشا